الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

62

نفحات القرآن

و ( القولية ) أي أنّه شهد على وحدانيته بعرض آيات عظمته في عالم الوجود وفي الآفاق وفي الأنفس من جهة ، وكذلك من خلال آيات التوحيد النازلة في الكتب السماوية من جهة أخرى . في حين ذكر بعض المفسرين الشهادة القولية وحدها ، وذكر بعض آخر الشهادة الفعلية ، بيد أنّ مفهوم الآية يتضمّن - بالتأكيد - شهادة أعلى وأرفع من هذه ، بل هي أهمّ مصداق للشهادة وهي أنّ ذاته شاهدة على ذاته كمصداق لما ورد : « يامن دلّ على ذاته بذاته » انّه سبحانه أفضل دليل على وجوده وهو الهدف الذي يقصده برهان الصدّيقين . ولا مانع من اجتماع المعاني الثلاثة ( الشهادة الذاتية والفعلية والقولية ) في مفهوم الآية . وقد استنتج البعض من عبارة ( قائماً بالقسط ) بأنّ آيات العدل والنظم والتقدير في عالم المخلوقات هي مصداق بيّن لشهادته سبحانه وتعالى على وحدانيته ، وهو استدلال جيّد ( ولا ضير في انفصال الملائكة عن ( أولو العلم ) كما يشير تفسير الميزان إلى هذا المعنى ) ، كما لا يمنع من عمومية الآية وسعة مفهومها وشمول ما قلنا . وكما ذكرنا من قبل فإنّ القائم بالعدل يحتاج إلى العلم والقدرة ، وهاتان الصفتان موجودتان في ذاته المقدّسة واتّصاف الباري ب ( العزيز الحكيم ) في ذيل الآية إشارة إلى هذا المعنى الدقيق . إحاطة الوجود الإلهي : الآية الثالثة - بعد الإشارة إلى الجيوش الجرّارة التي واجهت أنبياء اللَّه وحاربتهم وذكر نموذجين متميزين أحدهما في العصور القديمة وهم ( قوم ثمود ) وثانيهما في العصور المتأخّرة وهم ( قوم فرعون ) : « بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى تَكْذِيب » . التعبير ب ( في ) - ويستعمل عادةً لبيان الظرف والمظروف - تعبير جميل وفيه إشارة إلى أنّ الكفّار غارقون في تكذيب الحقائق ، والمراد من الكفّار هم الكفّار المعاندون في عصر